محمد سعيد رمضان البوطي
119
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
لبثوا ثلاثة أرباع قرن ، يدققون ويمحصون بزعمهم ، حتى يهدّموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيّهم ، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة ، والروايات المشهورة من السيرة النبوية ، فهل تسنّى لهم شيء من ذلك ؟ الجواب : لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد ، بل إذا أمعنّا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون من فرنسيين وإنكليز وألمان وبلجيكيين وهولانديين ، لا نجد إلا خلطا وخبطا ، وإنك لترى كل واحد منهم يقرر ما نقضه غيره » « 36 » . ثانيا : يتجلى لدى التأمل فيما سردناه من كيفية بدء إسلام الأنصار ، أن اللّه عزّ وجلّ قد مهّد حياة المدينة وبيئتها لقبول الدعوة الإسلامية ، وأنه كان في صدور أهل المدينة تهيؤ نفسي لقبول هذا الدين ، فما هي مظاهر هذا التهيؤ النفسي ؟ لقد كان سكان المدينة المنورة خليطا من سكانها الأصليين وهم العرب المشركون واليهود المهاجرون إليها من أطراف الجزيرة ، وكان المشركون ينقسمون إلى قبيلتين كبيرتين إحداهما الأوس ، والثانية الخزرج . وكان اليهود ثلاث قبائل : بني قريظة ، وبني النضير ، وبني قنيقاع . ولقد احتال اليهود طويلا - كعادتهم - حتى زرعوا الضغائن بين قبيلتي الأوس والخزرج ، فراح العرب يأكل بعضهم بعضا في حروب طاحنة متلاحقة . ويقول محمد بن عبد الوهاب في كتابه ( مختصر سيرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ) : « أن الحرب لبثت بينهم مئة وعشرين سنة » « 37 » . وفي غمار هذه الخصومة الطويلة حالف كل من الأوس والخزرج قبيلة من اليهود ، فحالف الأوس بني قريظة ، وحالف الخزرج بني النضير وبني قنيقاع ، وكان آخر ما بينهم من المواقع موقعة بعاث ، وذلك قبل الهجرة بسنوات قليلة ، وكان يوما عظيما مات فيه أكثر رؤسائهم . وفي أثناء ذلك ، كان كلما وقع شيء بين العرب واليهود ، هدد اليهود العرب بأنّ نبيّا قد آن أوان بعثته وأنهم سيكونون من أتباعه ، ويقتلونهم معه قتل عاد وإرم . فهذه الظروف ، جعلت لدى أهل المدينة تطلّعا إلى هذا الدين ، وعلقت منهم آمالا قوية به ، عسى أن تتوحد بفضله صفوفهم ويعود فيلتئم شملهم وتذوب وتمحى أسباب الشقاق مما بينهم . ولقد كان هذا مما صنعه اللّه لرسوله ، كما يقول ابن القيم في زاد المعاد « 38 » : « حتى يمهد بذلك
--> ( 36 ) حاضر العالم الإسلامي : 1 / 33 ( 37 ) مختصر سيرة الرسول : 124 ( 38 ) زاد المعاد : 2 / 50 ، ط الحلبي .